
كلام ليس كغيره من الكلام
من صفات الشخص السوي أن يكون حكيما في أقواله وفي أفعاله محتكما الى صوت الضمير الحي النير ، فمن هذا المنطلق
نعرف الحكمة على أنها الاعتدال والانضباط بالقول والعمل بشكل يمنع معه منعا أكيدا الندم بعد ذلك على الفعل او القول
الصادرعن الشخص الحكيم باعتباره عين العقل والحقيققة الثابتة التي لاتحتمل أي شك أو زيغ
: عرفت الحكمة والحكماء منذ الأزل وقد ذكرها القرآن الكريم في أكثر من موضع
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
سورة البقرة ، الآية 269
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ
سورة ص ، الآية 20
َلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
َإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
َا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
َا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
سورة لقمان ، الآيات 12،13،14،15،16،17،18،19
صَدَقَ اللّهُ العظيم
: ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم
لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها
:عن ابن عباس قال
ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال:
اللهم علمه الحكمة
صحيح البخاري
و كثير هم حكماء العرب قديما وحديثا ، ويجدر بنا في هذا المقام أن نعرج على بعض أشعار الشافعي وأشعار الامام علي بن أبي طالب فأشعارهما كلها حكمة ، علنا نستمتع ونستفيد ببعض منها واليك هذه الأبيات المختارة
من ديوان الشافعي
في طلب العلم
اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ ــــــ فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِهِ
وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً ــــــ تَذَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ
وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ فَكَبِّرــــــ عَلَيهِ أَربَعاً لِوَفاتِهِ
وَذاتُ الفَتى وَاللَهِ بِالعِلمِ وَالتُقى ــــــ إِذا لَم يَكونا لا اِعتِبارَ لِذاتِهِ
شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي ــــــ فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نور ــــــ وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي
في فضائل السفر
تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا ــــــ وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ ــــــ وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ ــــــ وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ
فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ ــــــ بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ
ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ ــــــ مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ
سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ ــــــ وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ
إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ ــــــ إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ
وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ مااِفتَرَسَت ــــــ وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ
وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً ــــــ لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ
وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِه ــــــ ِ وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ
فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ ــــــ وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ
فضل السكوت
وَجَدتُ سُكوتي مَتجَراً فَلَزِمتُه ــــــ ُإِذا لَم أَجِد رِبحاً فَلَستُ بِخاسِرِ
وَجَدتُ سُكوتي مَتجَراً فَلَزِمتُهُ ــــــ إِذا لَم أَجِد رِبحاً فَلَستُ بِخاسِرِ
حفظ السر
إِذا المَرءُ أَفشى سِرَّهُ بِلِسانِه ِــــــ وَلامَ عَليهِ غَيرَهُ فَهُوَ أَحمَقُ
إِذا ضاقَ صَدرُ المَرءِ عَن سِرِّ نَفسِهِ ــــــ فَصَدرُ الَّذي يُستَودَعُ السِرَّ أَضيَقُ
في الرضا وطيبة النفس
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ــــــ وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ــــــ فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً ــــــ وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ
وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا ــــــ وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ
تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ ــــــ يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ
وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلّاً ــــــ فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ
وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ــــــ فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ــــــ وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ
وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ــــــ وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ ــــــ فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ
وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا ــــــ فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ
وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا ــــــ فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ
دَعِ الأَيّامَ تَغدِرُ كُلَّ حِينٍ ــــــ فَما يُغني عَنِ المَوتِ الدَواءُ
الثقة في الله
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى ــــــ ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها ــــــ فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
بين الدنيا والآخرة
يا مَن يُعانِقُ دُنيا لا بَقاءَ لَها ــــــ يُمسي وَيُصبِحُ في دُنياهُ سَفّارا
هَلّا تَرَكتَ لِذي الدُنيا مُعانَقَةً ــــــ حَتّى تُعانِقَ في الفِردَوسِ أَبكارا
إِن كُنتَ تَبغي جِنانَ الخُلدِ تَسكُنُه ــــــ ا فَيَنبَغي لَكَ أَن لا تَأمَنَ النارا
من ديوان الامام علي كرم الله وجهه
في قرب الفرج
إِذا اِشتَمَلَت عَلى اليَأسِ القُلوبُ ــــــ وَضاقَ لِما بِهِ الصَدرُ الرَحيبُ
وَأَوطَنَتِ المَكارِهُ وَاِطمَأَنَّت ــــــ وَأَرسَت في أَماكِنِها الخُطوبُ
وَلَم تَرَ لِاِنكِشافِ الضُرِّ وَجهاً ــــــ وَلا أَغنى بِحيلَتِهِ الأَريبُ
أَتاكَ عَلى قُنوطٍ مِنكَ غَوثٌ ــــــ يَمُنُّ بِهِ اللَطيفُ المُستَجيبُ
وَكُلُّ الحادِثاتِ إِذا تَناهَت ــــــ فَمَوصولٌ بِها فَرَجٌ قَريبُ
عزة النفس
لا تَطلُبَّنَ مَعيشَةً بِمَذَلَةٍ وَاِربَأ ــــــ بِنَفسِكَ عَن دَنِيِّ المُطلَبِ
وِإِذا اِفتَقَرتَ فَداوِ فَقرَكَ بِالغِنى ــــــ عَن كُلِّ ذي دَنَسٍ كَجِلدِ الأَجرَبِ
فَليَرجِعَنَّ إِلَيكَ رزقُكَ كُلُّهُ ــــــ لَو كانَ أَبعَدُ مِن مَقامِ الكَوكَبِ
في ذم التفاخر بالنسب
أَيُّها الفاخِرُ جَهلاً بِالنَسَب ــــــ إِنَّما الناسُ لِأُمٍّ وَلِأَب
هَل تراهُم خُلِقوا مَن فِضَّةٍ ــــــ أَم حَديدٍ أَم نُحاسٍ أَم ذَهَب
بَل تَراهُم خُلِقوا مِن طينَةٍ ــــــ هَل سِوى لَحمٍ وَعَظمٍ وَعَصَب
إِنَّما الفَخرُ لِعَقلٍ ثابِتٍ ــــــ وَحياءٍ وَعَفافٍ وَأَدَب
الحث على الابتعاد عن حب الدنيا
النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت ــــــ إِنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها
لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها ــــــ إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها
فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها ــــــ وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بانيها
أَينَ المُلوكُ الَّتي كانَت مُسَلطَنَةً ــــــ حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَوتِ ساقيها
أَموالُنا لِذَوي الميراثِ نَجمَعُها ــــــ وَدورُنا لِخرابِ الدَهرِ نَبنيها
كَم مِن مَدائِنَ في الآفاقِ قَد بُنِيَت ــــــ أًمسَت خَراباً وَدانَ المَوتُ دانيها
لِكُلِّ نَفسٍ وَإِن كانَت عَلى وَجَلٍ ــــــ مِنَ المَنيَّةِ آمالٌ تُقَوّيها
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها